اقترب اليورو من تسجيل أقوى مستوى له منذ أربع سنوات، بعد أن لامس مستوى 1.1791 دولار في تعاملات الأسبوع الجاري، وسط تفاؤل المستثمرين بقرب خفض أسعار الفائدة الأمريكية من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بحسب بلومبرغ.
ويُنظر إلى هذا المسار كعامل رئيس في تكريس انفصال السياسات النقدية بين واشنطن وفرانكفورت، حيث يواصل البنك المركزي الأوروبي تمسكه بموقف أكثر تحفظاً حيال دورة التيسير النقدي، ومنذ بداية عام 2025 حققت العملة الأوروبية الموحّدة مكاسب تقارب 14%، في أفضل أداء 9 أشهر منذ إطلاقها عام 1999، وهو ما أعاد الجدل حول قدرة اليورو على استعادة مكانته كعملة احتياطية منافسة للدولار.
محطات صعود وهبوط اليورو
منذ إطلاقه في يناير 1999 عند مستوى يقارب 1.17 دولار، مرّ اليورو بمحطات صعود وهبوط مرتبطة بالأزمات العالمية، فقد سجّل أعلى مستوياته التاريخية عند 1.6 دولار في يوليو 2008، قبل أن تضرب الأزمة المالية العالمية ثقة المستثمرين وتعيد الدولار إلى الواجهة، وفي العقد اللاحق شهدت العملة الأوروبية تراجعاً حاداً خلال أزمة الديون السيادية 2010 – 2012، عندما وصلت العوائد على السندات اليونانية والإيطالية والإسبانية إلى مستويات قياسية، ما دفع البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل عبر برنامج شراء السندات الطارئ (OMT).
وفي عام 2020 عاد اليورو للارتفاع مع انهيار الدولار بفعل خفض الفيدرالي أسعار الفائدة إلى الصفر وضخ تريليونات الدولارات في الأسواق لمواجهة جائحة كورونا، لكن الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، وأزمة الطاقة الأوروبية، دفعاه للتراجع مجدداً إلى ما دون مستوى التعادل (0.96 دولار في سبتمبر 2022)، واليوم يجد اليورو نفسه على أعتاب 1.2 دولار، ما يذكّر بموجات الصعود السابقة لكن في بيئة اقتصادية مختلفة جذرياً.
تباين السياسات النقدية بين أوروبا وأمريكا
أحد أبرز المحركات الراهنة لارتفاع اليورو يتمثل في الفجوة المتزايدة بين توجهات البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي، ففي حين يُتوقع أن يبدأ الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بثلاث مراحل من 25 نقطة أساس لكل منها قبل نهاية 2025، يبدي المركزي الأوروبي قدراً أكبر من التريث، خاصة بعد نجاحه في خفض التضخم من مستويات تجاوزت 10% في 2022 إلى نحو 2.5% في منتصف 2025.
هذا التباين في السياسات يدعم جاذبية العملة الأوروبية، إذ يرى المستثمرون أن تراجع الفائدة الأمريكية سيضعف الدولار، بينما تمسّك أوروبا بمستويات فائدة مرتفعة نسبياً سيُبقي على تدفقات رأس المال نحو منطقة اليورو، خاصة في سوق السندات الألمانية والفرنسية التي توفر عوائد مستقرة.
مؤشرات المشتقات والخيارات تدعم الاتجاه الصعودي
تكشف بيانات المشتقات المالية عن تصاعد الرهانات على استمرار قوة اليورو، فقد أظهرت عقود \”One-week risk reversals\” (وهي أداة تستخدم لقياس ميل المستثمرين بين خيارات الشراء والبيع) ارتفاعاً مطرداً لصالح الشراء، كما بيّنت بيانات شركة الإيداع والمقاصة أن أكثر من ثلثي عقود اليورو – دولار المتداولة مطلع هذا الأسبوع كانت صعودية، مع إقبال متزايد على خيارات تتجاوز حاجز 1.2 دولار.
في السياق نفسه، أشار محللون لدى \”غولدمان ساكس\” إلى أن السوق باتت في وضع \”Long EUR\” بشكل واضح، أي أن معظم المراكز تتوقع ارتفاعاً إضافياً للعملة، وهو ما يرفع احتمالات اختراق مستويات مقاومة تاريخية.
ثقة الصناديق والمؤسسات
تخلت صناديق التحوط عن استراتيجياتها المعقدة للتعرّض لمكاسب اليورو، وانتقلت إلى رهانات مباشرة على الصعود، ويقول متعاملون في سوق العملات إن هذا التحول يعكس قناعة راسخة بأن موجة الارتفاع الحالية أكثر استدامة من سابقتها، خاصة مع تحسّن المؤشرات الاقتصادية في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، ما يمنح منطقة اليورو زخماً إضافياً.
اقرأ أيضًا: كيف يصعد اليورو ليُنافس الدولار عالميًا؟
انعكاسات على التجارة الأوروبية
الوجه الآخر لارتفاع اليورو يتمثل في الضغوط التي يفرضها على قطاع الصادرات الأوروبية، خاصة في ألمانيا التي تعتمد بشكل أساسي على قوة صادرات السيارات والآلات الثقيلة، فكل ارتفاع بنسبة 10% في قيمة اليورو أمام الدولار، يقلص أرباح المصدرين الألمان بما يقارب 3%، بحسب تقديرات معهد \”Ifo\” الألماني.
وفي فرنسا، قد يتأثر قطاع الطيران والمنتجات الفاخرة، حيث تعتمد شركات مثل إيرباص ولوريال على أسواق خارجية تُسعّر بالدولار، ومع ذلك ترى بعض الحكومات أن ارتفاع اليورو قد يخفف من كلفة الواردات، خاصة الطاقة، ما يسهم في ضبط التضخم.
الأبعاد الجيوسياسية للعملة
يأتي صعود اليورو في لحظة حساسة، فعلى الصعيد العالمي يربط محللون بين قوة اليورو والتحولات في مراكز الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية، فقد كشف صندوق النقد الدولي أنّ حصة اليورو في احتياطيات النقد الأجنبي ارتفعت إلى نحو 20.1% في الربع الأول من 2025، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2022، ما يعكس اتجاهاً متزايداً لتنويع الأصول بعيداً عن الدولار الذي لا تزال حصته تقارب 57.7%.
انعكاسات على الأسواق المالية
تجاوزت مكاسب أسواق الأسهم الأوروبية 9% منذ بداية 2025، مدعومة جزئياً بقوة العملة التي عززت ثقة المستثمرين، ولكن شركات التصدير الكبرى حذرت من تراجع هوامش الأرباح إذا استمر اليورو في الصعود، وفي المقابل يستفيد قطاع السياحة من انخفاض تكلفة السفر بالنسبة للأوروبيين المتوجهين إلى الخارج، بينما قد يتضرر من ارتفاع الأسعار بالنسبة للسياح القادمين من أمريكا وآسيا.
سيناريوهات مستقبلية لمسار اليورو
السيناريو الأول: اختراق حاجز 1.2 دولار
إذا واصل الفيدرالي الأمريكي خفض الفائدة بالوتيرة المتوقعة، وظل التضخم في منطقة اليورو تحت السيطرة، فإن اليورو مرشح لاختراق حاجز 1.2 دولار، وهو مستوى نفسي تاريخي قد يفتح الطريق أمام مستويات 1.25 على المدى المتوسط.
السيناريو الثاني: الاستقرار دون 1.2
في حال عادت الضغوط التضخمية في أوروبا أو واجهت الحكومات صعوبة في تمرير إصلاحات مالية، قد يتوقف الزخم الصعودي لليورو عند حدود 1.18 – 1.19، وهو سيناريو \”التوازن المؤقت\”.
السيناريو الثالث: عودة الدولار للواجهة
إذا فاجأ الفيدرالي الأسواق بتقليص عدد التخفيضات أو تبني نبرة أكثر تشدداً، فقد يتراجع اليورو سريعاً إلى ما دون 1.15 دولار، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات سياسية في أوروبا.
هل يملك اليورو مقومات ليكون عملة احتياط عالمية؟
يرى خبراء صندوق النقد أن الأمر يتطلب ثلاثة شروط: سوق سندات عميقة وموحدة، ومؤسسات مالية أوروبية أكثر تكاملاً، واستقرار سياسي طويل الأمد، وحتى الآن لا تزال منطقة اليورو تفتقر إلى اتحاد مالي كامل، ما يحد من قدرة العملة على لعب دور مهيمن عالمياً.
رغم أنّ صعود اليورو نحو حاجز 1.2 دولار حدثاً لافتاً يعكس ديناميكيات السياسة النقدية العالمية، لكنه ليس نهاية القصة، فالمسار المستقبلي للعملة الأوروبية سيظل رهناً بموازين دقيقة بين النمو والتضخم، بين السياسة والاقتصاد، وبين الأسواق والتجاذبات الجيوسياسية، وفي كل الأحوال فإن الأشهر المقبلة ستحدد ما إذا كان اليورو بصدد بداية حقبة جديدة من القوة، أم مجرد موجة صعود عابرة ضمن دورة أطول من التقلبات.
اقرأ أيضًا: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه كعملة احتياطية عالمية؟








